العزلة الرقمية تضرب شرايين الاقتصاد: كيف شلّ انقطاع الإنترنت أعمال الشركات في إيران؟
لم يكن انقطاع الإنترنت في إيران مجرد إجراء تقني مؤقت، بل تحوّل خلال أيام قليلة إلى عامل ضغط اقتصادي مباشر أصاب آلاف الشركات بالشلل، وعمّق أزمات اقتصاد يعاني أصلاً من تضخم مرتفع وعقوبات ممتدة وضعف في تدفقات الاستثمار.
فمنذ فرض القيود الواسعة على الاتصال بالشبكة العالمية، دخلت قطاعات كاملة في حالة شلل جزئي أو كلي، وسط غياب أي أفق واضح لعودة الخدمة بشكل طبيعي.
ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، لجأت السلطات إلى تقييد الوصول إلى الإنترنت منذ الثامن من يناير، في خطوة اعتُبرت وسيلة للسيطرة على تدفق المعلومات، لكنها حملت كلفة اقتصادية باهظة.
فالشركات التي تعتمد على التواصل الخارجي، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، وجدت نفسها فجأة معزولة عن عملائها وأسواقها وشركائها في الخارج.
اقتصاد هش أمام صدمة رقمية
يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات من ضغوط متراكمة، تشمل العقوبات الدولية، وتراجع العملة، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.
وفي هذا السياق، جاء انقطاع الإنترنت ليضيف عبئاً جديداً، إذ حرم الشركات من أحد أهم أدوات العمل في العصر الحديث.
فالتواصل الرقمي لم يعد ترفاً، بل أصبح شرياناً أساسياً لإدارة العمليات، وإبرام الصفقات، وتحويل الأموال، والتنسيق مع الموردين.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة تعتمد بشكل شبه كامل على الإنترنت في أنشطتها اليومية، سواء في التسويق أو المبيعات أو الخدمات اللوجستية.
ومع انقطاع الاتصال العالمي، تعطلت هذه الأنشطة، ما أدى إلى خسائر مباشرة في الإيرادات وتأخير في تنفيذ العقود.
شبكة محلية لا تعوّض الاتصال العالمي
سمحت السلطات الإيرانية تدريجياً بوصول محدود إلى ما يُعرف بالشبكة المحلية، التي تتيح استخدام بعض المواقع الحكومية والمنصات الداخلية، إضافة إلى شبكات المدارس والجامعات.
غير أن هذا الحل الجزئي لم يكن كافياً لتعويض غياب الاتصال بالشبكة العالمية.
فالعديد من الشركات تعتمد على منصات دولية للتواصل والدفع والخدمات السحابية، وهي أدوات لا يمكن استبدالها بسهولة بشبكات محلية مغلقة.
ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن هذا النوع من الاتصال المحدود يكفي بالكاد لتفقد بعض رسائل البريد الإلكتروني، ولا يسمح بإدارة أعمال متكاملة أو الحفاظ على علاقات تجارية خارجية.
غضب في أوساط رجال الأعمال
أثارت القيود المفروضة على الإنترنت موجة انتقادات غير مسبوقة من جانب رجال الأعمال وبعض المسؤولين الحكوميين.
فقد حذر وزير الاتصالات ستار هاشمي من أن نحو 10 ملايين شخص يعملون في الاقتصاد الرقمي، وأن استمرار الانقطاع يهدد مصدر رزقهم بشكل مباشر.
ونقل منفذ «تجارة نيوز» عن جليل جلالي، من غرفة التجارة الإيرانية الروسية المشتركة، قوله إن الأطراف الاقتصادية الفاعلة باتت «غاضبة بشدة»، داعياً إلى إيجاد حلول سريعة تضمن للتجار الحفاظ على تواصلهم مع العالم الخارجي.
هذا الغضب يعكس شعوراً متزايداً بأن القرارات الأمنية تُتخذ على حساب الاستقرار الاقتصادي.
تجارة خارجية تحت الضغط
تضررت التجارة الخارجية بشكل خاص من انقطاع الإنترنت، إذ تعتمد الشركات المصدّرة والمستوردة على الاتصال المستمر مع الشركاء الدوليين، سواء لتنسيق الشحنات أو إتمام المدفوعات أو متابعة العقود.
ومع غياب هذا الاتصال، تعطلت سلاسل التوريد، وتأخرت الشحنات، وارتفعت تكاليف العمليات.
وانتقد مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية المشتركة، الإجراءات التي تسمح بوصول محدود إلى الإنترنت، معتبراً أنها غير كافية لتلبية احتياجات الأعمال.
وأكد أن هذا المستوى من الاتصال لا يخدم سوى مهام بسيطة، ولا يرقى إلى متطلبات التجارة الحديثة.
الاقتصاد الرقمي في مهب الريح
خلال السنوات الماضية، سعت إيران إلى تعزيز الاقتصاد الرقمي كوسيلة للتخفيف من آثار العقوبات، وخلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات المحلية.
غير أن انقطاع الإنترنت يهدد هذه الجهود، ويقوض ثقة رواد الأعمال والمستثمرين في استقرار بيئة الأعمال.
الشركات الناشئة، التي تعتمد على الابتكار والتواصل الرقمي، كانت من أكثر المتضررين.
فالكثير منها يعمل بهوامش مالية ضيقة، وأي توقف في العمليات قد يعني الخروج النهائي من السوق.
كما أن فقدان الثقة في استمرارية الاتصال يحد من شهية المستثمرين لتمويل مشاريع جديدة.
تكلفة غير مرئية لكن مؤلمة
إلى جانب الخسائر المباشرة، يحمل انقطاع الإنترنت تكلفة غير مرئية تتمثل في تآكل الثقة.
فالشركات الأجنبية التي تفكر في التعامل مع شركاء إيرانيين قد تعيد حساباتها، خشية عدم القدرة على التواصل أو تنفيذ العقود في أوقات الأزمات.
كما أن استمرار الغموض بشأن موعد إعادة الخدمة يزيد من حالة الإحباط بين أرباب الأعمال، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن التخطيط أو اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
هل من حلول قريبة؟
رغم عودة الهدوء النسبي إلى الشوارع بعد أسابيع من الاحتجاجات، لا يزال مستقبل الاتصال الرقمي في إيران غير واضح.
ويطالب رجال الأعمال بإجراءات عاجلة تضمن الحد الأدنى من التواصل الخارجي، على الأقل للقطاعات الحيوية المرتبطة بالتجارة والخدمات.
ويرى محللون أن استمرار العزلة الرقمية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يضعف الاقتصاد المحلي، ويزيد الضغوط الاجتماعية، ويقوض أي فرص لتعافي مستدام.
وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على الاتصال، يصبح قطع الإنترنت سلاحاً ذا حدين، قد يحقق أهدافاً قصيرة الأجل، لكنه يترك آثاراً اقتصادية عميقة وطويلة الأمد.